في حياة كل إنسان لحظات فارقة، تأتي على غير انتظار، فتبدّل مساره وتفتح له أبوابًا لم تخطر له على بال. لحظات يرسلها الله إلينا جبرًا للخواطر وتثبيتًا للقلوب، لتؤكد لنا أن ما نزرعه بإخلاص لا يضيع سدى. وكانت مكالمة الأستاذ أحمد عطية صالح من تلك اللحظات التي غيّرت مسيرتي، وكتبت فصلًا جديدًا في رحلتي مع الكلمة والقلم.
والتي جاءت بينما كنت أجلس مهمومًا في لحظة من اللحظات، إذ توقفت صفحتي التي كنت أكتبها منذ عدة سنوات، حول قصص وسير أهل بيت رسول الله الكريم الأطهار المطهرين وأولياء الله الصالحين. ولسبب غير معلوم توقفت الصفحة قسرًا.
وبينما كنت على هذه الحال، رنّ هاتفي برقم غير معروف، ليفاجئني من الطرف الآخر صوت ينهمر ثناءً ومدحًا وإشادة بما أكتب، وبأسلوبي، وبما أقدمه من عمل بسيط نافع للمسلمين – على حد وصفه – مؤكدًا أن هذا الجهد سوف يبقى على مر التاريخ والزمان، بل وتجاوز ذلك بقوله إنني قد أتحول إلى مصدر من مصادر المعلومات في سيرة أهل بيت رسول الله الكرام وأولياء الله الصالحين، وأن الأجيال القادمة سوف تتخذ من كتبي مراجع في هذا الشأن.
سألته: من أنت؟
فقال: أنت لا تعرفني، وهذه أول مرة نتحدث فيها.
فقلت له: شكرًا على هذا المدح والثناء والإشادة، وإن كنت لا أستحقه، فما هو إلا مدد من الله.
فقال لي: أنا أحمد عطية صالح، رئيس تحرير جريدة اللواء الإسلامي.
عندها اندهشت، وتوقف عقلي عن التفكير لبرهة قصيرة، متعجبًا: كيف لرئيس تحرير صاحب هذا المقام الأدبي والمكانة الكبيرة أن يتصل بي ويمدحني بهذا الشكل، ولم تكن بيننا أي معرفة سابقة؟
ثم زادني دهشة حين أخبرني أنه سأل عني إحدى الزميلات المحترَمات، الأستاذة فتحية شراباش، نائب رئيس تحرير جريدة المسائية في ذلك الوقت، وطلب منها رقم هاتفي ليتواصل معي، فأعطته الرقم، وكانت تجلس أمامه أثناء الاتصال.
أخذت أشكره، وكانت الكلمات تتبعثر من فمي من شدة التأثر والاندهاش من هذا التواضع الجمّ، الذي قلّما يُرى عند كثير من رؤساء التحرير.
ثم قال لي: نود أن نتشرف بنشر بعض مقالاتك في جريدة اللواء الإسلامي، وسأخصص لك الصفحة الأخيرة، وهي صفحة مخصصة لكبار الكُتّاب.
فقلت له: أنا لست منهم، وعلى باب الله.
فقال بحسم: أبدًا، أرسل لي مقالًا.
وكان ذلك في وقت الاستعداد للاحتفال بمولد مولانا الإمام الحسين عليه السلام، فقلت له: سأرسل لك مقالًا عن سيدنا الإمام الحسين.
فقال: أنا في الانتظار، فأرسلت إليه المقال على الفور، وفي مساء اليوم نفسه تلقيت اتصالًا منه. توقعت أنه سيطلب بعض التعديلات أو أن المقال لم ينل إعجابه، لكنني فوجئت بشلال منهمر من كلمات الإعجاب بأسلوبي وطريقة الكتابة والسرد الموضوعي لسيرة مولانا الإمام الحسين، وأخبرني أنه منبهر ومندهش من وجود كاتب مثلي في مؤسسة أخبار اليوم دون أن يكون على معرفة به.
ثم طلب لقائي، وكنت في غاية الخجل من هذا التواضع الذي لم أشهد مثله منذ عملي مع الأستاذ صفوت الهلوتي، رئيس تحرير جريدة شباب مصر، والذي كان مثالًا نادرًا للتواضع في حياتي الصحفية.
وبالفعل التقيت الأستاذ أحمد عطية صالح، ومنذ تلك اللحظة لم تنقطع صلتنا، ولم ينقطع قلمي عن جريدة اللواء الإسلامي، بل انتقلت من جريدة المسائية إلى جريدة اللواء الإسلامي لأحظى بالعمل تحت إشرافه وتوجيهاته.
فقد كان رجلًا محبًا للجميع، حاضنًا للجميع، طيبًا مع الجميع، مسالمًا بطبعه. وأشهد الله أنني لم أرَ إنسانًا في الجريدة – من أكبر الكُتّاب والصحفيين إلى أصغر العاملين قد استاء منه أو اشتكى منه في أمر من الأمور.
رحم الله الأستاذ أحمد عطية صالح، ونوّر سيرته بمحبة الناس، فهي المعنى الحقيقي للدعاء بطول الأثر وخلود الذكر.



